مصطفى صادق الرافعي

189

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وتقليب أوضاع اللغة ، فإن الشأن ليس في هذه اللغة ومتعلقاتها بمقدار ما هو في التوفيق بين أجزاء الشعور وأجزاء العقل على أتمها في الجهتين ، وهذا باب لا ينفذ فيه إلا من كان شعوره وعقله وبيانه فوق الفكرة في أكمل ما يتهيأ لها من كمال الحقيقة الإنسانية التي تجمع تلك الصفات الثلاثة : ( البيان والعقل والشعور ) والتي يقال لها من أجل ذلك : ( النفس الناطقة ) وليس في الناس جميعا من يصح أن يقال فيه إنه فوق الفطرة بالمعنى الصحيح ، وإن كان هو بسمو فكرته فوق الناس . ولو ذهبت تعتبر القرآن كله لرأيت تلك الطريقة فيه أظهر الوجوه التي تبينه من كلام الناس وتجعله قبيلا وحده ، فإن لبلغاء الناس كلاما جيدا في كل أبواب البيان ، بيد أنك حين تأخذه متفاوتا في أجزاء تلك السياسة المنطقية ، وحين تدعه متفاوتا في طريق النظم التي خرج بها القرآن كما عرفت من قبل : فلا هو من ذلك في نسق ولا طريقة . وما نشك على حال أن فصحاء العرب وأهل البلاغة فيهم قد أدركوا بفطرتهم هذه الطريقة المعجزة التي تنصرف إلى وجه ثم تجيء من وجه آخر ، ولا أنهم قد عرفوا أن هذا مما لا تقوم به البلاغة وضروبها ، وأن غاية كدّ العقل في مثله أن يبعد بالمعنى عن صنعة اللسان ، وغاية كدّ اللسان أن يدخل الضيم فيه على صنعة العقل ، فإن دقّ المعنى ولطفت مذاهبه وأحكمت الحيلة في تصريفه ، قصّر عنه البيان الذي ألفوه مذهبا لفظيا ، وعرفوه افتنانا في الصنعة والتركيب ، كما بسطناه في مواضع كثيرة ، وإن صرح المعنى واستبان ولانت أعطافه وجاء على نسقهم في المحاورة والمخاطبة خرج على قدر ذلك وغلبت عليه الألفاظ ولم يكن بتلك المنزلة . وهذا بعض ما أيأسهم من المعارضة تيقنا أنه لا قبل لهم بها ، واستبصارا في حقيقة هذا الكلام ، وأنه مما لا يستشري الطمع فيه ، وأنه وحي يوحى ؛ وهو عينه أيضا بعض ما اجتذبهم إليه وعطفهم عليه ، حتى كان بلغاؤهم يستمعونه وتصغي إليه أفئدتهم ، ثم يتلاومون على ذلك ؛ كما مرّ في خبر أبي جهل وصاحبيه ، وحتى قالوا كما حكى اللّه عنهم وأسجله في كتابه ليكون ثبتا تاريخيا للعقل الإنساني : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فجعلوا كل أمرهم وأمرهم في آذانهم كما ترى ، وما هي إلا سبيل الكلام إلى النفس ؛ وكأنهم أقروا أنهم المغلوبون ما سمعوه « 1 » ، وليس في البيان عمّا نحن فيه أبين من هذا إخبارا عن حقيقة أو حقيقة من الخبر « 2 » أو خبرا حقا .

--> ( 1 ) أي ما داموا يسمعونه ؛ وقد مرت الإشارة إلى ذلك في موضع سبق . ( 2 ) لا يفوتنك أن الآية قد سمعها العرب أنفسهم وجرت على ألسنتهم ، وهي ليست من الأخبار بالغيب ، ولكنها خبر عما قاله بعضهم وسمعه بعضهم ؛ فذلك نص تاريخي قاطع في صحة الخبر نص قاطع فيما ذهبنا إليه .